اخر الاخبار

الجمعة، 1 أبريل 2011

اللون الأخضر

اللون الأخضر

لقد حظي اللون الأخضر في القرآن الكريم بالاهتمام أكثر من أي لون آخر، فهو يمثل في البيان الإلهي الخير والجمال والسلام، وهو أفضل الألوان كلها وأشرفها ويتضح ذلك عند البحث عن اللون الأخضر في آيات القرآن الكريم فقد أتت كلمة "الأخضر" مرة واحدة فقط ليدلل بها على الشيء الحي، ففي قوله تعالى: 
" الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ " ( يس 80) 
فقد نبه تعالى على وحدانيته ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى وقدرته على تبديل الحال بما يشاهد من إخراج المحروق اليابس من العود الندي الرطب الحي، ومنه توقدون لتنعموا بالحياة مرة أخرى. 
وأتت كلمة " خُضْرٍ " منونة بالكسرة في ثلاث مواضع اثنين منها في سورة يوسف (أية43 وآية 46) لقوله عز وجل: 
" وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ " (يوسف 43). 
" يوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ" ( يوسف 46). 
وتدل كلمة " خُضْرٍ " هنا على لون السنبلات وهو ما يعطي الاستقرار في الحياة حال توافرها، وفي ذلك دلالة على أن اللون الأخضر يعنى الحياة بما فيها من معاني للاستقرار والراحة، وفي وصف السنبلات بالخضر يعنى أن اللون الأخضر يحمل أيضاً دلالة الخصوبة . 
أما الحالة الثالثة فقد كانت في سورة الرحمن حيث قال عز وجل: 
" مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ " ( الرحمن 76 ) 
ويرى الباحث أن في قوله عز وجل " رَفْرَفٍ " خُضْرٍ " وصف للأرائك أو الأراجيح باللون الأخضر لما يحمله من معاني للاستقرار رغم ما في هذه الأرائك والرفارف من حركة قد تبدو فيها عدم استقرار، ولكن الله عز وجل أراد أن يعلمنا بمدى لذة هذا التأرجح دون الخوف منه أو الشعور بالرهبة كما يحدث أحياناً في الحياة الدنيا من ركوب الأراجيح، واللافت للنظر هنا أن الله عز وجل لم يصف تلك الأراجيح بوصف آخر مثل أنها مريحة، أو متسعة، أو مرتفعة وغيرها من الأوصاف التي يمكن أن تضيف إليها المتعة والراحة، ولكن الله عز وجل قد أوجز وضمن كل هذه المعاني وغيرها في لفظ " خُضْرٍ " وذلك لإعلاء قيمة اللون في حياة البشر، بل الأكثر من ذلك في باقي الآية حيث يذكر الله عز وجل في قوله "وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ " وذلك لإعلاء قيمة اللون والزخرفة أيضاً حيث أنه في الحديث: أن " عبقري " يقصد بها هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش (الزخرفة) الحسان، وهى أبسطة أهل الجنة . 
وفي سورة الإنسان حيث ذكر المولى عز وجل:" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا " ( الإنسان 21). 
أتت كلمة " خُضْرٌ " منونة بالضمة، لوصف ما جاء في الجنة من أبسطة وملابس، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: " عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ " أن الله سبحانه وتعالى وصف في كتابه العزيز أهل جنته المخصوصين بتقريبه ومزيته بلباس الثياب الخضر. 
كما أتت كلمة خُضْرًا منونة بالفتحة في سورة الكهف آية 31 في قوله سبحانه: " أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا" ( الكهف 31 ) 
وفي ذلك فقد وصف الله زينة ملابس أصحاب الجنة الحريرية وصفاً لا مثيل له وكذلك أدواتهم، فلو كان في الألوان أفضل من الخضرة لوصفهم الله سبحانه بذلك، لذا يعد اللون الأخضر لوناً مختار من ألوان الجنة، يدل على النعيم و به أحيا الأرض بعد موتها. 
وقد أتت كلمة " خَضِرًا " في موضع واحد فقط في سورة الأنعام بمعنى الزرع. قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ( الأنعام 99 ) 
قال الأخفش: أي أخضر، والخضر رطب البقول . وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب . 
كما أتت كلمة " مخضرة " في موضع واحد فقط أيضاً في سورة الحج وأتت في المعنى كدليل على كمال قدرته، بإعادة الحياة بعد الموت. 
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ " ( الحج 63 ). 
وقد جاء لفظ " مدهامتان " ـ وهو مرادف للون الأخضر الغامق ـ للتعبير عن الجنان العلى فقد قال الطبري عن دلالة هذا اللفظ:" مسوادتان من شدة خضرتهما " في وصف للون الأخضر الغامق حتى السواد [16] 
" مدهامتان " ( الرحمن 64 )
 
أهمية اللون الأخضر

يقدم العلم الحديث دلالة جديدة للفظ خضراً فقد قرر جمال الدين مهران إلى أن المقصود بهذا اللفظ هو مادة "اليخضور" أو الكلوروفيل (Chlorophyll)ـ وهو مادة كيميائية معقدة التركيب يرجع إليها الفضل في وجود هذا اللون الأخضر الذي ينتشر في النباتات على اختلاف أنواعها وأشكالها وأحجامها وخصوصاً في أوراقها الخضراء ـ حيث قال "وهذا الخضر هو الذي منحه الخالق تبارك وتعالى القدرة على تكوين المواد العضوية المعقدة التركيب من مواد غير عضوية، وذلك بما يقوم به "اليخضور" من أخذ طاقة الضوء فيكون منها المواد العضوية التي تحتاج في تكوينها إلى مصانع عديدة وكبيرة ومعقدة، ليس هذا فحسب بل أنه خلال عملية التمثيل الضوئي التي تتم بمجرد تعرض النبات الأخضر للضوء تتم عملية أخرى وهي عملية بالغة الأهمية لاستمرار الحياة وبقاء الأحياء وهي عملية تكوين وانطلاق الأوكسجين الذي لا تستمر الحياة بدونه". 
وكان المعتقد في بادئ الأمر أن الكلوروفيل عبارة عن مادة واحدة ولكن وجد بعد تقدم البحوث النباتية وعمل التحليلات الدقيقة أنها تتركب في واقع الأمر من أربع مواد مختلطة بعضها ببعض وتلك هي (كلوروفيل أ) و(كلوروفيل ب) ولونهما أخضر بالإضافة إلى مادتين أخريين وهما (الكاروتين) و (الزانثوفيل) وهما صبغان نباتيان لونهما أصفر. 
إن هذا الكلوروفيل المعقد الذي يغلب عليه اللون الأخضر هو أحد المعجزات الحقيقية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في دنيا النبات إذ أنه يلعب في تكوين الأغذية النباتية دوراً يفوق كل خيال فمن خلاله يتم إنتاج المواد الكربوهيدراتية البسيطة أو المعقدة مثل الأنواع المختلفة من السكر ( الجلوكوز، الفواكه، القصب، البنجر) وأيضاً الأنواع المختلفة من النشا ( الموجود في الحبوب عامة أو في بعض الأجزاء النباتية الأخرى مثل درنات البطاطا والبطاطس وغيرها) . 
ولا يتم إنتاج مثل هذه المواد الغذائية الهامة إلا في وجود الأشعة الضوئية، ويطلق على تلك العملية اسم عملية التمثيل الضوئي Photosynthesis . 
ويمكن تلخيص تلك العملية في المعادلة البسيطة التالية:ـ 
ثاني أكسيد الكربون + ماء واد كربوهيدراتية مواد كربوهيدراتية + أوكسجين ينتج عنها مركب سكري +أوكسجين 
ويعيش الإنسان وكذلك جميع الحيوانات التي تدب على سطح الأرض على تلك المنتجات النباتية التي لا يستطيع أي منها إنتاجها من المواد الخام على الإطلاق كما تفعل النباتات الخضراء، وبذلك يكون الكلوروفيل هو المادة المنتجة لجميع الأغذية النباتية أو الحيوانية على حدٍ سواء . 
وبالإضافة إلى تلك المادة الخضراء ( الكلوروفيل ) تحتوي النباتات على مواد أخرى كثيرة لها ألوان متباينة ومنها الصبغ الأزرق والصبغ الأصفر والصبغ الأحمر والصبغ البني وغيرها . 
وتشاهد مثل تلك الألوان في كثير من الأجزاء النباتية وخصوصاً الأزهار والثمار، كما يتضح من الآية الكريمة ( فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ) سورة فاطر آية(27). 

ومما سبق يتضح أن اللون الأخضر يعني الحياة بما فيها من معاني للاستقرار والراحة، ويحمل أيضاً دلالة الخصوبة . ذلك فضلاً عما اكتشفه العلماء من أنه عندما تدخل طاقة الضوء إلى الجسم فإنها تنبه الغدة النخامية والجسم الصنوبري مما يؤدي إلى إفراز هرمونات معينة تحدث مجموعة من العمليات الفسيولوجية، وبالتالي السيطرة المباشرة على تفكيرنا ومزاجنا وسلوكياتنا، وكذلك فللألوان تأثير على مكفوفي البصر تماماً كالمبصرين نتيجة لترددات الطاقة التي تتولد داخل أجسامهم، وهذه الفكرة استخدمها الصينيون القدماء في علاج الأمراض وتسمى" بال فينج شوي " . 
وحديثاً أجروا تجارب لاستخدام الألوان في علاج بعض الأمراض، وذلك بجعل المريض يرتدي ثوباً من لون معين أو يجلس في غرفة حوائطها وفرشها من نفس هذا اللون، ويقوم بتركيز نظره لفترة محددة عليه في الوقت الذي يحصر فيه ذهنه ويتأمل مكان الألم الذي يعانيه، فكان مما اكتشفوه أن اللون الأخضر بالذات يقتل الجراثيم والبكتريا ويسكن الآلام ويقاوم الإنهاك والشعور بالتعب، فيشعر صاحبه بأريحية وسعادة ويشفي من الأمراض الميكروبية، وبذلك عرفوا السر في استخدام الفراعنة للون الأخضر في مقابرهم لحفظ المومياوات من التحلل البكتيري . وصدق الله العظيم في قرآنه الكريم عندما جعل اللون الأخضر لون لباس أهل الجنة ولون فرشهم ليلفتنا إليه وإلى وجوبيه التشبه بهم في ملابسنا وفرشنا في الدنيا لعلنا نذوق جزءاً من سعادتهم . 
ذلك فضلاً عن ما يؤديه لون الخضرة من تقوية للنظر والزيادة في حاسة البصر، وسبب ذلك فيما يقوله أهل الطب أن اللون الأخضر يجمع الروح الباصر جمعاً رقيقاً مستلذاً غير عنيف، وإن كان اللون الأسود يجمع الباصر أيضاً لكنه يجمعه بعنف واستكراه على ضد ما يجمعه اللون الأخضر.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق