اخر الاخبار

‏إظهار الرسائل ذات التسميات رجال حول الرسول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رجال حول الرسول. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 1 أبريل 2011

بلال بن رباح ( مؤذن الرسول )

بلال بن رباح ( مؤذن الرسول )

كان عمر بن الخطاب إذا ذكر أبو بكر قال : 
" أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا " 
وإن رجلا يلقبه عمر بسيدنا لهو رجل عظيم ومحظوظ .... 
لكن هذا الرجل الشديد السمرة ، النحيف الناحل ، المفرط الطول ، الكث الشعر ، الخفيف العارضين - كما وصفة الرواة – لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه إليه إلا ويحنى رأسه ويغض طرفه ، ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل : ( إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا ) 
فمن هذا الحبشي الذي كان بالأمس عبدا ؟؟؟؟؟ 
إنه " بلال بن رباح " مؤذن الإسلام ومزعج الأصنام .... 
إنه إحدى معجزات الإيمان والصدق ...... 
إحدى معجزات الإسلام العظيم ........ 
إن كثيرا من علية البشر ، وذوى الجاه والمال لم يظفروا بمعشار الخلود الذي ظفر به بلال العبد الحبشي 
لكن صدق إيمانه وعظمة الدين الذي أمن بة بوأه في حياته وفى تاريخه مكانا عليا بين عظماء الإسلام 
إن سواد بشرته وتواضع حسبة ونسبة وهوانه على الناس كعبد فقير لم يحرمه حين اثر الإسلام دينا من أن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه ويقينه وطهره وتفانيه .
 
إسلام بلال : 
إنه حبشي من أمة السود جعلته مقاديره عبدا لأناس من بني جمح بمكة ، حيث كانت أمة إحدى إمائهم وجواريهم . 
كان يعيش عيشة الرقيق تمضى أيامه متشابهة قاحلة لا حق له في يومه ولا أمل له في غدة ....!!!! 
ولقد بدأت أنباء محمد ( صلى الله عليه وسلم ) تنادى سمعة ، حين أخذ الناس في مكة يتناقلونها وحين كان يصغى إلى أحاديث سادته واصيافهم ، سيما (أميه بن خلف) أحد شيوخ بني جمح القبيلة التي كان بلال أحد عبيدها ..... 
لطالما سمع أميه هو يتحدث مع أصدقائه حينا وأفراد قبيلته أحيانا عن الرسول حديثا يطفح غيظا ، وغما ، وشرا . 
وكانت أذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون ، الصفات التي تصور له هذا الدين الجديد ... وكان يحس إنها صفات جديدة على هذه البيئة التي يعيش فيها ، كما كانت أذنه تلتقط من خلال أحاديثهم الراعده المتوعدة اعترافهم بشرف محمد وصدقه وأمانته . 
وذات يوم يبصر بلال نور الله ويسمع في أعماق روحه الخيرة رنين فيذهب إلي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويسلم ...... 
ولا يلبث خبر إسلامه أن يذيع ، وتدور الأرض برؤوس أسيادة من بني جمح .. تلك الرؤوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور وتجثم شياطين الأرض فوق رأس "أميه بن جمح" الذي رأى إسلام عبد من عبدانهم لطمه جللتهم جميعا بالخزي والعار . 
عبدهم الحبشي يسلم ، ويتبع محمد !!!!! 
أما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للإسلام وحدة ولكنه شرف للإنسانية جميعا ... 
لقد صمد لأقصى ألوان التعذيب صمود الأبرار العظام . 
لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم قاتلة فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان ثم يأتون بحجر مستعر كالحميم ينقله من مكانه بضع رجال ويلقون به فوق بلال . 
ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم حتى رقت لبلال فرضوا أن يخلوا سبيله على أن يذكر ألهتهم بخير ولو بكلمة واحدة تحفظ لهم كبريائهم ، ولا تتحدث قرش أنهم انهزموا صاغرين أمام صمود عبدهم وإصراره . 
ولكن حتى هذه الكلمة العابرة رفض بلال أن يقولها ...! 
نعم لقد رفض أن يقولها وأخذ يردد نشيده الخالد : 
( أحد ، أحد ) 
ويذهب إليه أبو بكر الصديق وهم يعذبونه ويصيح بهم : 
" أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله "..؟؟؟؟؟ 
وباعوه لأبى بكر الذي حرره من فورة وأخذ بلال مكانه بين الرجال الأحرار ......
 
مؤذن الرسول : 

وبعد هجرة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) 
والمسلمين إلى المدينة واستقرارهم بها ، يشرع الرسول للصلاة أذانها .... 
فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم ؟ 
إنه بلال لقد وقع اختيار الرسول عليه اليوم ليكون أول مؤذن للإسلام وبصوته الندى الشجي مضى يملأ الأفئدة إيمانا والأسماع روعه وهو يردد :
 

اللـــــه أكبــــر اللـــه أكبــــــر 
اللــــه أكبــــر اللــــه اكبـــر 
أشهـــــد أن لا إلــه إلا الله 
أشهــــتد أن لا إلـــه إلا الله 
أشهد أن محمدا رسول الله 
أشهد أن محمدا رسول الله 
حــــي على الصـــــــــــــلاة 
حــــي على الصـــــــــــــلاة 
حــــي على الفــــــــــــــلاح 
حــــي على الفــــــــــــــلاح 
اللـــه أكبـــــر اللــــه اكبــــر 
لا إلــــــــــه إلا اللــــــــــــه


وينشب القتال بين المسلمين وجيش قريشا الذي قدم المدينة غازيا وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الإسلام ، غزوة "بدر" تلك الغزوة التي أمر الرسول عليه السلام أن يكون شعارها : 
< أحد ، أحد > 
وتمضى الأيام ..... وتفتح مكة ...... 
ويدخلها الرسول عليه السلام مكبرا شاكرا على رأس عشرة ألاف من المسلمين ... 
ويدخل الرسول الكعبة مصطحبا بلالا ويأمره أن يعلو ظهر المسجد ويؤذن . 
ويؤذن بلال .. فيا لروعة الزمان ، والمكان ، والمناسبة . 
كفت الحياة في مكة عن الحركة ، ووقفت الألوف المسلمة كالنسمة الساكنة تردد في خشوع وهمس كلمات الآذان وراء بلال .... 
وعاش بلال مع الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد معه المشاهد كلها ، ويؤذن للصلاة ، وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله الذي كان يصفه بأنه رجلا من أهل الجنة ... 
وذهب الرسول إلي الرفيق الأعلى راضيا مرضيا ونهض بأمر المسلمين من بعدة خليفته أبو بكر الصديق .. 
وذهب بلال إلي خليفة الرسول يقول له : 
" ياخليفة رسول الله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أفضل عمل المؤمن ، الجهاد في سبيل الله " 
قال له أبو بكر : فما تشاء يابلال ؟؟؟ 
قال : أردت أن أرابط في سبيل الله حتى الموت ..... 
قال أبو بكر : ومن يؤذن لنا ؟؟؟؟؟ 
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع : إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله .
 

وفاة بلال : 

ويختلف الراة ، فيروى بعضهم أنه سافر إلى الشام حيث بقي بها مجاهدا ومرابطا . 
ويروى بعضهم الآخر ، أنه قبل رجاء أبو بكر في أن يبقى معه في المدينة ، فلما قبض وولى لخلافة عمر ، استأذن وخرج إلى الشام . 
على أي حال فقد نذر بلال بقية حياته وعمرة للمرابطة في ثغور الإسلام ، مصمما على أن يلقى الله ورسوله على خير عمل يحبانه
 

آخر آذان لبلال :
 

وكان آخر آذان له ، أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر ، وتوسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة . 
ودعا أمير المؤمنين وصعد بلال وأذن فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله وبلال يؤذن له ... بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا .... وكان "عمر" أشدهم بكاءا ...!!!

جعفر بن أبي طالب ( أبو المساكين )

جعفر بن عبد المطلب 

أبو المساكين


انظروا جلال شبابه .... 
انظروا نضرة أهابه ..... 
انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف ..... وجوده الذي لا يخاف الفقر ... 
انظروا طهره وعفته 
انظروا صدقه وأمانته انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن والفضيلة والعظمة ، ثم لا تعجبوا فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) خلقا وخلقا . 
أنتم أمام من كناه الرسول ب ( أبى المساكين ) 
أنتم تجاه من لقبه الرسول ب ( ذي الجناحين ) 
انتم تلقاء طائر الجنة الفريد ( جعفر بن أبى طالب )
 
إسلامه : 
أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم مسلما أخذا مكانه العالي بين المسلمين المبكرين ... 
وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته " أسماء بنت عميس " 
وحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وغبطة ..... 
فلما اختار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه الهجرة إلي الحبشة ، خرج جعفر وزوجته حيث لبثا بها سنين عددا رزقا خلالها بأولادهما الثلاثة ( محمد – عبد الله – عوف )
 
يوم المحاورة : 
وفى الحبشة كان جعفر بن أبى طالب المتحدث اللبق ، والموفق باسم الإسلام ورسوله 
ذلك أن الله أنعم عليه – فيما أنعم – بذكاء القلب ، وإشراق العقل ، وفطنة النفس ، وفصاحة اللسان . 
ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد أروع أيامه وأمجاده وأخلدها ..... 
فإن يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي ملك الحبشة لن يقل روعة ولا بهاءا ولا مجدا .... 
وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها ولم يذهب من غيظها ولم يطامن من أحقادها هجرة المسلمين إلى الحبشة بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم ، هنالك قرر ساداتها إرسال مبعوثين إلي النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة ، ويحملان رجائها في أن يخرج من بلادة هؤلاء الذين جاءوا إليها لائذين ومستجيرين .... 
وكان هذان المبعوثان : عبد الله بن أبى ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وكانا لم يسلما بعد ...... 
وحط الرسولان رحالهما بالحبشة ، وقابلا الزعماء الروحانيين بها ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها إليهم ثم أرسلا للنجاشي هداياه ومضيا يوغران صدر القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين ويستنجدان بهم لحمل النجاشي على إخراجهم من بلادة ..... 
وحدد يوم يلقيان فيه النجاشي ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها ... 
وفي وقار مهيب ، وتواضع جليل ، جلس النجاشي عل كرسيه العالي ، تحف به الأساقفة ورجال الحاشية وجلس أمامه في البهو الفسيح المسلمون المهاجرون تغشاهم سكينة الله وتظلهم رحمته ووقف مبعوثا قريش يرددان الاتهام الذي سبق أن ردداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذا الاجتماع الحاشد الكبير : 
" أيها الملك أنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، بل جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من أبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم " 
وولى النجاشي وجهه شطر المسلمين ملقيا عليهم سؤاله : 
" ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم واستغنيتم به عن ديننا " ؟؟؟؟ 
ونهض جعفر قائما ... ليؤدى المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لها ، نهض جعفر في تؤدة وجلال ، وألقى نظرات على الملك الذي أحسن جوارهم وقال : 
" كنا قوما أهل جاهلية : نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجواري ، ويأكل القوي منا الضعيف ... حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه ، وصدقه وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان .... 
وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ... 
ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، ... فصدقناه وأمنا به ، واتبعناه على ما جاءه من ربه ، فعبدنا الله وحده ولا نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فغدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلي عبادة الأوثان وإلى ما كنا عليه من الخبائث ... 
فلما قهرونا ، وظلمونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلي بلادك ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألا نظلم عندك " 
والقي " جعفر " بهذه الكلمات المشفرة كضوء الفجر فملأت نفس النجاشي إحساسا وروعة والتفت إلى جعفر وسأله : 
" هل معك مما أنزل على رسولكم شيئا "؟؟؟ 
قال جعفر : نعم ... 
قال النجاشي : فاقرأه على... 
ومضى جعفر يتلوا آيات من سورة مريم في أداء عذب وخشوع أثر فبكى النجاشي وبكى معه أساقفته جميعا .... 
ولما كففت دموعه الهاطلة الغزيرة التفت إلي مبعوثي قريش ، وقال : 
" إن هذا والذي جاء به عيسي ، ليخرج من مشكاة واحدة ... 
انطلقا فلا والله ، لا أسلمهم إليكما " ....!!!! 
انفض الجمع ، وقد نصر الله عباده وآزرهم في حين زرىء مندوبا قريش بهزيمة منكرة ... 
ولكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة ، لا يتجرع الهزيمة ولا يذعن لليأس. 
وفى الغداة سار إلي مقابلة الملك وقال له عمرو : 
" أيها الملك إنهم ليقولون في عيسى قولا عظيما "..... 
واضطرب الأساقفة ، واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة ، ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح ..... 
وانعقد الاجتماع من جديد ، وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر : 
" ماذا تقولون في المسيح "؟؟؟؟ 
ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال : 
" نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم : هو عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " ... 
فهتف النجاشي مصدقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح على نفسه ... 
لكن صفوف الأساقفة ضجت بما يشبه النكير .... 
ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين : 
" اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي ، ومن سبكم أو آذاكم فعليه غرم ما يفعل " ... 
ثم التفت صوب حاشيته وقال وسبابته تشير إلى مبعوثي قريش : 
" ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها .... 
فوا لله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فأخذ الرشوة فيه "...!!! 
وخرج مبعوثا قريش مخذولين ، حيث وليا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائدين إليها ....
 
استشهاد جعفر : 
وكانت غزوة مؤتة تتحرك راياتها في الأفق متأهبة للزحف وللمسير .... 
وتقدم جعفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا ..... 
كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة بل ولا حربا صغيرة إنما هي حرب لم يخض الإسلام مثلها من قبل ، حرب مع جيوش إمبراطورية عريضة باذخة ، تملك من العتاد والأعداد والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين بها ومع هذا طار قلبه شوقا إليها وكان ثالث ثلاثة جعلهم الرسول قواد الجيش وأمراءه ... 
خرج الجيش وخرج جعفر معه ... 
والتقى الجمعان في يوم رهيب .... 
وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين " زيد بن حارثة " حتى تلقاها جعفر باليمين ومضى يقاتل بها فى إقدام خارق إقدام رجل لا يبحث عن النصر بل عن الشهادة ...... 
وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم ورأى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل ... وراح يصوب سيفه ويسدده إلى نحور أعداءه كنقمة القدر ... ولمح واحدا من الأعداء يقترب من فرسه ليعلوا ظهرها فعز عليه أن يمتطى صهوتها هذا الرجز فبسط نحوها سيفه وعقرها ....!!!! 
وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل ، وكأنه جيش لجب ...وأحاطوا به فى إصرار مجنون على قتله وحاصروه حصارا لامنفذ فيه للنجاة . 
وضربوا بالسيوف يمينه ، وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله .. وضربوها هى الأخرى فاحتضن الراية بعضديه ... 
وفى هذه اللحظة تركزت كل مسئوليته فى ألا يدع الراية راية الرسول صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حي ... 
وحين تكومت جثته الطاهرة ، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه فشق عبد الله بن رواحه الصفوف كالسهم نحوها وأخذها في قوة ومضى بها إلى مصير عظيم . 
وهكذا صنع جعفر لنفسه موته من أعظم موتات البشر ... 
وذهب المساكين جميعا يبكون أباهم .. فقد كان جعفر رضي الله عنه " أبا المساكين " 
يقول أبو هريرة : " كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب " 
أجل كان أجود الناس بماله وهو حي ... فلما جاء أجله أبى إلا أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلا لروحه وحياته . 
إنه هنالك فى جنان الخلد يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح .... 
وإن شئتم فاسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم : 
"لقد رأيته فى الجنة .. له جناحان مضرجان بالدماء ... مصبوغ القوادم " ....!!!
 

أبو أيوب الأنصارى ( انفروا خفافاً وثقالاُ )

أبو أيوب الأنصارى


كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدخل المدينة مختتماً بمدخله هذا رحلة هجرته الظافرة ، ومستهلاً أيامة المباركة فى دار الهجرة التى ادخر القدر لها ما لم يدخره لمثلها فى دنيا الناس .. 
وسار الرسول وسط الجموع التي اضطرمت صفوفها وأفئدتها حماسة ، ومحبة وشوقاً .. ممتطياً ظهر ناقته التى تزاحم الناس حول زمامها كل يريد أن يستضيف الرسول عليه الصلاة والسلام .. 
وبلغ الموكب دور بني سالم بن عوف فاعترضوا طريق الناقة قائلين : 
" يارسول الله أقم عندنا فلدينا العدد والعدة والمنعة " 
ويجيبهم الرسول وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " 
لقد ترك النبي للمقادير اختيار مكان نزولة حيث سيكون لهذا المنزل خطره وجلاله .. 
ففوق أرضة سينهض المسجد الذي تنطلق منه إلى الدنيا بأسرها كلمات الله ونوره وإلى جواره ستقوم حجرة أو حجرات سيسكنها معلم ورسول جاء الحياة لينفخ فى روحها الهامد . 
أجل كان الرسول صلى الله عليه وسلم ممعناً فى ترك هذا الاختيار للقدر الذي يقود خطاه . 
وأمام دار " بني مالك بن النجار " بركت الناقة .. ثم نهضت وطوفت بالمكان ثم عادت إلى مبركها الأول ونزل الرسول عنها متفائلاً مستبشراً . 
وتقدم أحد المسلمين وقد تبلج وجهه فرحاً وغبطة .... أتدرون من كان هذا السعيد الموعود الذي بركت الناقة أمام دارة وسار الرسول ضيفه ... إنه بطل حديثنا هذا .. أبو أيوب الأنصارى – خالد بن زيد حفيد مالك بن النجار . 
لم يكن هذا أول لقاء لأبي أيوب مع رسول الله ... فمن قبل وحين خرج وفد المدينة لمبايعة الرسول فى مكة تلك البيعة المباركة المعروفة بـ " بيعة العقبة الثانية " كان أبو أيوب الأنصارى بين السبعين مؤمناً الذين شدوا أيمانهم على يمين الريول مبايعين مناصرين . 
والآن يشرف رسول الله المدينة ويتخذها عاصمة لدين الله ، فإن الحظوظ الوافية لأبي أيوب جعلت من داره أول دار يسكنها المهاجر العظيم والرسول الكريم . 
ولقد آثر الرسول أن ينزل فى دورها الأول .. ولكن ما كاد أبو أيوب يصعد غرفته فى الدور العلوى حتى أخذته الرجفة ، ولم يستطع أن يتصور نفسه قائماً أو نائماً فى مكان أعلى من المكان الذى يقوم فيه رسول الله وينام . 
وراح يلح على النبي ويرجوه أن ينتقل إلى طابق الدور الأعلى فاستجاب النبي لرجائه، ولسوف يمكث النبي بها حتى يتم المسجد وبناء حجرة له بجواره ... 
ومنذ أن بدأت قريش تتنمر للإسلام وتشن إغاراتها على دار الهجرة بالمدينة منذ تلك البداية احترف أبو أيوب صناعة الجهاد فى سبيل الله ...
ففى بدر وأحد والخندق وفى كل المشاهد والمغازى كان البطل هناك بائعاً نفسه وماله لله رب العالمين . 
وبعد وفاة الرسول لم يتخلف عن معركة كتب على المسلمين أن يخوضوها مهما يكن بعد الشقة وفداحة المشقة ... 
وكان شعاره الذي يردده دائما ، فى ليله ونهاره .. فى جهره وسره قول الله تعالى : 
" انفروا خفافاً وثقالاً " 
مرة واحدة تخلف عن جيش جعل الخليفة أميره واحداً من الشباب المسلمين لم يقتنع أبو أيوب بإمارته ... 
مرة واحدة لا غير .. ومع هذا فإن الندم على موقفة هذا ظل يزلزل نفسه ويقول : 
" ما على من استعمل على " ..؟؟؟؟ 
ثم لم يفته بعد ذلك قتال !!! 
ولما وقع الخلاف بين على ومعاوية وقف مع " على " فى غير تردد لأنه الإمام الذي أعطى بيعة المسلمين ولما استشهد وانتهت الخلافة إلى معاوية وقف أبو أيوب بنفسه الزاهده ، الصامدة ، التقية ، لا يرجو من الدنيا سوى أن يظل له مكان فوق أرض الوغى ، وبين صفوف المجاهدين . 
وهكذا لم يكد يبصر جيش الإسلام يتحرك صوب القسطنطينية حتى ركب فرسه وحمل سيفه وراح يبحث عن استشهاد عظيم طالما حن إليه واشتاق ..!! 
وفى هذه المعركة أصيب . 
وذهب قائد الجيش يعوده ، وكانت أنفاسه تسابق أشواقة إلى لقاء الله فسأله القائد وكان " يزيد بن معاوية " : ما حاجتك أبا أيوب ؟ 
ترى هل فينا من يستطيع أن يتصور أو يتخيل ماذا كانت حاجة أبا أيوب ...؟؟؟ 
فقد طلب من يزيد إذا هو مات إن يحمل جثمانه فوق فرسه ويمضي به أطول مسافة ممكنة فى أرض العدو وهنالك يدفنه ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق جتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره فيدرك آنئذ انهم قد أدركوا ما يبغون من نصر وفوز ...!! 
ولقد أنجز يزيد وصية أبي أيوب 
وفى قلب القسطنطينية – وهى اليوم استامبول – ثوى جثمان رجل عظيم ، جد عظيم . 
وإنه اليوم لثاوٍ هناك ، لا يسمع صلصلة السيوف ولا صهيل الخيول ... 
لكنه يسمع كل يوم من صبحه إلى مسائه روعة الآذان المنطلق من المآذن المشرعة فى الافق 
أن : الله أكبر 
الله أكبر 
وتجيب روحه المغتبطة فى دار خلدها وسنا مجدها : 
هذا ما وعدنا الله ورسوله 
وصدق الله ورسوله ....

الأربعاء، 30 مارس 2011

مصعب بن عمير

مصعب بن عمير
• قصة اسلامة
هذا الرجل من أصحاب محمد ما أجمل أن نبدأ بة الحديث
غرة فتيان قريش ، وأوفاهم بهاء ، وجمالا ، وشبابا .....
بالله ما أروعة من نبأ .. نبأ مصعب بن عمير أو "مصعب الخير " كما كان لقبة بين المسلمين .
إنه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام ورباهم محمد عليه الصلاة والسلام .
إن قصة حياته لشرف لبنى الإنسان جميعا .
لقد سمع الفتى ذات يوم ، ما بدأ أهل مكة يسمعونه عن محمد الأمين .....
" محمد الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى عبادة الله الواحد الأحد.
وكان على الرغم من حداثة سنة ، زينة المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة على أن يكون مصعب بين شهودها ، ذلك أن أناقة المظهر ورجاحة العقل كانتا من خصال بن عمير التي تفتح له القلوب والأبواب .....
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن أمن معه ، يجتمعون بعيدا عن فضول أهل قريش في دار" الأرقم بن أبى الأرقم " فلم يطل به التردد بل صحب نفسه ذات مساء إلى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه .....
هناك كان الرسول يلتقي بأصحابه فيتلوا عليهم من القرآن ويصلى معهم لله العلى الكبير.....
ولم يكد " مصعب " يأخذ مكانه ، وتنساب الآيات من قلب الرسول متألقة على شفتيه ، ثم آخذة طريقها إلى الأسماع والأفئدة حتى كان قلب " بن عمير" في تلك الأمسية هو القلب الموعود !!
كانت أم مصعب " خناس بنت مالك " تتمتع بقوة فذة في شخصيتها وكانت تهاب إلى حد الرهبة .ولم يكن مصعب حين أسلم ليخاف من أحد على ظهر الأرض سوى أمه ولقد فكر سريعا وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضى الله أمرا .
ولكنها علمت فيما بعد فطار صوابها ومضت به إلى ركن قصي من أركان دارها وحبسته فيه وأحكمت عليه اغلاقة وظل رهين محبسه ذاك حتى خرج بعض المؤمنين إلى أرض الحبشة ، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ وغافل أمه وحراسة إلى الحبشة مهاجرا أوابا ثم يعود إلى مكة ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.
وخرج مصعب يوما على بعض الصحابة وهم جلوس حول رسول الله (ص) فما إن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيا ...
ذلك أنهم رأوه يرتدى جلبابا مرقعا باليا ، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه حين كانت ثيابه كزهور الحديقة نضره ، وألقا ، وعطرا ....
وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة وشاكرة ومحبة وتألقت على شقتيه ابتسامته الجليلة وقال :
" لقد رأيت مصعبا هذا ، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ثم ترك هذا كله حبا لله ورسوله " ...
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها وأصبح الفتى المتأنق المعطر لا يرى إلا مرتديا أخشن الثياب ، يأكل يوما ويجوع أياما ، ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة ، والمتألقة بنور الله جعلت منه إنسانا أخر يملأ الأعين جلالا والأنفس روعه

• أعظم مهمة في التاريخ
وآنئذ اختاره الرسول إلى أعظم مهمة وقت في حينها ، أن يكون سفيره إلى المدينة يفقه الأنصار الذين أمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة ، ويدخل غيرهم في دين الله ، ويعد المدينة ليوم الهجرة العظيم .
وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم ، ولقد غزا أفئدة أهل المدينة بزهده وترفعه وإخلاصه ، فدخلوا في دين الله أفواجا ...
لقد جاءها يوم بعثة الرسول إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة ، وفى موسم الحج التالي لبيعة العقبة كان مسلموا المدينة يرسلون إلى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم وكان عدد أعضائه سبعون مؤمنا ومؤمنة جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم " مصعب بن عمير"
لقد أثبت مصعب بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله (ص) عرف كيف يختار فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها . عرف أنه داعيا إلى الله ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس إلى الهدى وإلى صراط مستقيم وأنه كرسوله الذي أمن به ليس عليه إلا البلاغ .
لقد نجح أول سفراء الرسول (ص) نجاحا منقطع النظير ، نجاحا هو له أهل وبه جدير .

• استشهاد مصعب الخير

وتمضى الأيام والأعوام ويهاجر الرسول وصحبه إلى المدينة وتتلمظ قريش بأحقادها وتعد عدة باطلها لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين وتقوم غزوة بدر فيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون إلى الثأر وتجيء غزوة أحد ويعبأ المسلمون أنفسهم ويقف الرسول (ص) وسط صفوفهم يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية ويدعوا مصعب الخير فيتقدم ويحمل اللواء .
وتشب المعركة الرهيبة ويحتدم القتال ويخالف الرماة أمر الرسول(ص) ويغادرون مواقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين لكن عملهم هذا سرعان ما يحول نصر المسلمين إلى هزيمة ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل وتعمل فيهم على حين غرة السيوف الظالمة المجنونة ...
وحين رأوا الفوضى والذعر يمزقان صفوف المسلمين ركزوا على رسول الله (ص) لينالوه ...
وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر فرفع اللواء عاليا وأطلق تكبيره كالزئير ومضى يصول ويجول ويتواثب وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول (ص) بنفسه وجرد من ذاته جيشا بأسره أجل ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير يد تحمل الراية في تقديس ويد تضرب بالسيف في عنفوان ....
ولكن الأعداء يتكاثرون عليه يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول....

• مشهد الاستشهاد
حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل بن قميئة وهو فارس فضربه على يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء
وقع مصعب .... وسقط اللواء
وقع حلية الشهادة ، وكوكب الشهداء وقع بعد أن خاض باستبسال عظيم معركة الفداء والإيمان .


الأحد، 27 مارس 2011

عمرو بن العاص

عمرو بن العاص
مقدمة :
كانوا ثلاثة فى قريش أتعبوا الرسول صلى الله عليه وسلم بعنف مقاومتهم دعوته وإيذائهم أصحابه ....
وكان عمرو بن العاص أحد هؤلاء الثلاثة ....
ولكن اختار الله له طريق التوبة والرحمة فهداهم إلى الإسلام ....
وتحول عمرو بن العاص إلى مسلم مناضل ... وغلى قائد من قادة الإسلام البواسل ...
وعلى الرغم من بعض مواقف عمرو التي لا نستطيع أن نقتنع بوجهة نظرة فيها فإن دوره كصحابي جليل بذل وأعطى سيظل يفتح على محياه أعيننا وقلوبنا ...
وهنا فى مصر بالذات ، سيظل الذين يرون فى الإسلام دينا قيما مجيدا ويرون فى رسوله الرحمة المهداة سيظل الذين يحملون هذا الإيمان مشحوذى الولاء لهذا الرجل الذي جعلته الأقدار سببا لإهداء الإسلام إلى مصر وإهداء مصر إلى الإسلام فنعمت الهدية ونعم مهديها ..
ذلكم هو " عمرو بن العاص " رضي الله عنه ..
ولقد تعود المؤرخون أن ينعتوا عمرا ب ( فاتح مصر )
بيد أنا نرى فى هذا الوصف تجوزا وتجاوزا ، ولعل أحق النعوت بعمرو أن ندعوه " محرر مصر "
فالإسلام لم يكن يفتح البلاد بالمفهوم الحديث للفتح ، إنما كان يحررها من تسلط إمبراطوريتين سامتا البلاد والعباد سوء العذاب وهما : إمبراطورية الفرس ، وإمبراطورية الروم ...
و مصر بالذات يوم أهلت عليها طلائع الإسلام كانت نهبا للرومان وكان أهلها يقاومون دون جدوى ولما دوت فوق مشارف بلادهم صيحات الكتائب المؤمنة أن : الله أكبر الله أكبر
سارعوا جميعا فى زحام مجيد صوب الفجر الوافد وعانقوه واجدين فيه خلاصهم من قيصر ومن الرومان ...
فعمرو بن العاص ورجاله لم يفتحوا مصر إذن إنما فتحوا الطريق أمام مصر لتصل بالحق مصايرها وتربط بالعدل مقاديرها وتجد نفسها وحقيقتها فى ضوء كلمات الله ومبادئ الإسلام ...
ولقد كان رضي الله عنه حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة ليظل القتال محصورا بينه وبين جنود الرومان الذين يحتلون البلاد ويسرقون أرزاق أهلها....

إسلام عمرو بن العاص :
وعمرو بن العاص ولم يكن من السابقين إلى الإسلام فقد أسلم مع خالد بن الوليد قبيل فتح مكة بقليل .
ومن العجب أن إسلامه بدأ على يد النجاشي بالحبشة وذلك أن النجاشي يعرف عمرو ويحترمه بسبب تردده الكثير على الحبشة والهدايا الجزيلة التي كان يحملها للنجاشي وفى زيارته الأخيرة لتلك البلاد جاء ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وسأل عاهل الحبشة عمرو كيف لم يؤمن به ويتبعه وهو رسول الله حقا ...؟؟؟؟
وسأل عمرو النجاشي قائلا : " أهو كذلك " ؟؟
وأجابه النجاشي : " نعم فأطعني ياعمرو واتبعه فإنه والله لعلى حق وليظهرن على من خالفه " ..!!!
وركب عمرو ثبج البحر من فوره عائدا إلى بلادة وميمما وجهه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين ..
وفى الطريق إلى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادما من مكة ساعيا إلى الرسول ليبايعه على الإسلام ..
ولم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يراهما حتى تهلل وجهة وقال لأصحابه :" لقد رمتكم مكة بفلذات أكبادها "
وتقدم خالد فبايع الرسول ثم تقدم عمرو فقال : " إني أبايعك على أن يغفر الله لى ما تقدم من ذنبي " ...
فأجابه الرسول عليه السلام قائلا :" ياعمرو بايع .... فإن الإسلام يجب ما كان قبله " ..
وبايع عمرو ووضع دهائه وشجاعته فى خدمة الدين الجديد
وعندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، كان عمرو واليه على عمان ، وفى خلافة عمر أبلى بلاءه المشهود فى حروب الشام ثم فى تحرير مصر من حكم الرومان ....

الأمير عمرو بن العاص :
واليت عمرو بن العاص قد قاوم فى نفسه حب الإمارة ...
على إن حب عمرو الإمارة كان إلى حد ما ، تعبيرا تلقائيا عن طبيعيه الجياشة بالمواهب ....
بل إن شكله الخارجى وطريقته فى المشى وفى الحديث كانت تومئ إلى إنه خلق للأمارة !! حتى لقد روى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رآه ذات يوم مقبلا ، فابتسم لمشيته وقال :
"ما ينبغى لأبى عبد الله أن يمشى على الأرض إلا أميرا " ...
والحق أن أبا عبد الله لم يبخس نفسه هذا الحق . وحتى حين كانت الأحداث الخطيرة تجتاح المسلمين كان عمرو يتعامل مع هذه الأحداث باسلوب أمير معه من الذكاء والدهاء والمقدرة ما يجعله واثقا من نفسه واثقا بنفسه معتزا بتفوقه ...
ولكن معه كذلك من الأمانة ما جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو الصارم فى اختيار ولاته يختاره واليا على فلسطين والأردن ، ثم على مصر طوال حياء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ...
ولو قد علم أمير المؤمنين أن حب عمرو للأمارة يحمله على التفريط فى مسئولياته ، ما احتمل ضميره الرشيد إبقاءه فى الولاية لحظة ....

صفات عمرو :
وكان عمرو رضي الله عنه حاد الذكاء ، قوي البديهة عميق الرؤية ...
كما كان بالغ الجرأة مقداما ...
ولقد يمزج جرأته بدهائه فى بعض المواطن ، ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يعرف مواهبه هذه ويقدرها قدرها من أجل ذلك عندما أرسله إلى الشام قبل مجيئه إلى مصر قيل لأمير المؤمنين :
أن على رأس جيوش الروم بالشام " أرطبونا " أي قائدا وأميرا من الشجعان الدهاة فكان جواب عمر :
" لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فلننظر عما تنفرج الأمور "...
ولقد انفرجت عن هزيمة ساحقة لأرطبون العرب وداهيتهم الخطيرة عمرو بن العاص على أرطبون الروم الذي ترك جيشه للهزيمة وولى هاربا إلى مصر .. التي سيلحقه بها عمرو بعد قليل ليرفع فوق ربوعها الآمنة راية الإسلام .

وفاة عمرو بن العاص :
وفى السنة الثالثة والأربعين من الهجرة أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر حيث كان واليا عليها ... وراح يستعرض حياته فى لحظات الرحيل فقال :
" كنت أول أمري كافرا .. وكنت أشد الناس على رسول الله ، فلو مت يومئذ لوجبت لي النار....
ثم بايعت رسول الله فما كان فى الناس أحد أحب إلى منه ولا أجل فى عيني منه .. ولو سئلت أن أنعته ما استطعت لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه إجلالا له ... فلو مت يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة ...
ثم بليت بعد ذلك للسلطان وبأشياء لا أدرى أهي لي أم علي " ....
ثم رفع بصره إلى السماء فى ضراوة مناجيا ربه الرحيم العظيم قائلا :
" اللهم لا بريء فاعتذر ولا عزيز فأنتصر ، وإلا تدركني رحمتك أكن من الهالكين "...
وظل في ضراعاته وابتهالاته حتى صعدت إلى الله روحه وكانت أخر كلماته : لا اله إلا الله ........

سلمان الفارسي

سلمان الفارسي
( الباحث عن الحقيقة )

من بلاد فارس يجيء البطل هذه المرة ( سلمان الفارسي )
ها هو ذا جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أمام دار بالمدائن يحث جلساءه عن مغامرته العظمى فى سبيل الحقيقة ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس إلى المسيحية ثم إلى الإسلام ......
كيف غادر ثراء أبيه الباذخ ، ورمى نفسه فى أحضان الفاقة بحثا عن خلاص عقله وروحة ....!!!
كيف بيع فى سوق الرقيق وهو فى طريق بحثه عن الحقيقة ... ؟؟؟
كيف التقى بالرسول عليه الصلاة والسلام وكيف آمن به .... ؟؟
تعالوا نقترب من مجلسه الجليل ونصغ إلى النبأ الباهر الذي يرويه ....


***********

" كنت رجلا من أهل أصبهان ، من قرية يقال لها ( جي ) ...
وكان أبي دهقان أرضه ، وكنت من أحب عباد الله إليه ، وقد اجتهدت فى المجوسية حتى كنت قاطن النار التي نوقدها ولا نتركها تخبوا .....
وكان لأبي ضيعة أرسلني إليها يوما فخرجت فمررت بكنيسة للنصارى ، فسمعتهم يصلون فدخلت عليهم انظر ما يصنعون ، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم وقلت لنفسي هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ، فما برحتهم حتى غابت الشمس ولا ذهبت إلى ضيعة أبي ولا رجعت إليه حتى بعث فى أثري .....
وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم وصلاتهم عن أصل دينهم فقالوا : فى الشام
وقلت لأبي حين عدت إليه : إني مررت على قوم يصلون فى كنيسة لهم فأعجبني صلاتهم ورأيت أن دينهم خير من ديننا ، فحاورني وحاورته ثم جعل فى رجلي حديدا وحبسني .....
وأرسلت إلى النصارى أخبرهم إني دخلت فى دينهم وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام أن يخبروني قبل عودتهم غليها لأرحل إلى الشام معهم وقد فعلوا فحطمت الحديد وخرجت وانطلقت معهم إلى الشام .....
وهناك سألت عن عالِمهم فقيل لي : هو الأسقف صاحب الكنيسة فآتيته وأخبرته خبري ، فأقمت معه أخدم وأصلي وأتعلم ...
وكان هذا الأسقف رجل سوء فى دينه إذ كان يجمع الصدقات من الناس ليوزعها ثم يكتنزها لنفسه ، ثم مات . وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا على دينهم خيرا منه ولا أعظم رغبة فى الآخرة وزهدا فى الدنيا ودأبا على العبادة .....
وأحببته حباً ما علمت أني أحببت أحداً مثله قبله فلما حضره قدره قلت له : إنه قد حضرك من أمر الله ماترى فبما تأمرني وغلى من توصي بي ؟؟
قال : إي بني ما أعرف أحداً من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلاً بالموصل ..
فلما توفى آتيت صاحب الموصل فأخبرته الخبر وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم ثم حضرته الوفاة فسألته فدلني على عابد فى نصيبين ....
فآتيته وأخبرته خبري ، ثم أقمت معه ما شاء الله أن أقيم فلما حضرته الوفاة فسألته فأمرني أن ألحق برجل فى عمورية من بلاد الروم فرحلت إليه وأقمت معه ثم واصطنعت لمعاشي بقرات وغنمات . ثم حضرته الوفاة فقلت له : إلى من توصي بي فقال لي : يابني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفاً يهاجر إلى ذات نخل بين جِرتين فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل ......
وإن له آيات لا تخفى : فهو لا يأكل الصدقة ... ويقبل الهدية ... وإن بين كتفيه خاتم النبوة ، إذا رأيته عرفته .
ومر بي ركب – ذات يوم – فسألتهم عن بلادهم ، فعلمت أنهم من جزيرة العرب . فقلت لهم أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم ؟ قالوا : نعم.
واصطحبوني معهم حتى قدموا بي وادي القرى وهناك ظلموني ، وباعوني إلى رجل من اليهود وبصرت بنخل كثير فطمعت أن تكون هذه البلد التي وصفت لي ، والتي ستكون مهاجر النبي المنتظر .. ولكنها لم تكنها .
وأقمت عند الرجل الذي اشتراني حتى قدم عليه يوما رجل من يهود بني قريظة فابتاعني منه ثم خرج بي حتى قدمت المدينة !! فوا الله ماهو إلا أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلدة التي وصفت لي ... وأقمت معه أعلم له فى نخلة فى بني قريظة حتى بعث الله رسوله وحتى قدم المدينة ونزل بقباء فى بني عمرو بن عوف .
وإني لفي رأس نخلة يوماً وصاحي واقف تحتها إذ أقبل رجل من يهود ، من بني عمه فقال يخاطبه : قاتل الله بني قيلة إنهم ليتقاصفون على رجل بقباء قادم من مكة يزعمون أنه نبي ...
فو الله ماهو إلا أن قالها حتى أخذتني العوراء فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي !! ثم نزلت سريعا . أقول : ماذا تقول ؟؟ ما الخبر ؟؟
فرفع سيدي يده ولكزني لكزه شديدة ثم قال مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك ....
فأقبلي على عملي ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء فدخل عليه وكان معه نفر من أصحابة فقلت له : إنكم أهل حاجة وغربة وقد كان عني طعام نذرته للصدقة فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به ثم وضعته فقال الرسول لأصحابه: كلوا بسم الله .. وأمسك هو فلم يبسط إليه يده .
فقلت فى نفسي : هذه والله ، واحدة ... إنه لا يأكل الصدقة ....!!
ثم رجعت ، وعدت إلى الرسول عليه السلام فى الغداة أحمل طعاما وقلت له عليه السلام : إني رأيتك لا تأكل الصدقة .. وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية ، ووضعته بين يديه فقال لأصحابه : كلوا بسم الله .... وأكل معهم .
قلت لنفسي : هذه والله ، الثانية .... إنه يأكل الهدية ...!!!
ثم رجعت فمكثت ما شاء الله ثم آتيته فوجدته فى البقيع قد تبع جنازة وحوله أصحابه وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة مرتدياً الأخرى فسلمت عليه ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره فعرف أني أريد ذلك فألقى بردته عن كاهله فإذا العلامة بين كتفيه خاتم النبوة كما وصفه لي صاحبي ... فأكببت عليه أقبلة وأبكي .. ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه وحدثته حديثي كما أحدثكم الآن ....
ثم أسلمت وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد .....
وفي ذات يوم قال الرسول عليه الصلاة والسلام : " كاتب سيدك حتى يعتقك " فكاتبته أمر الرسول الصحابة حتى يعاونوني وحرر الله رقبتي وعشت حرا مسلما وشهدت مع رسول الله غزوة الخندق والمشاهد كلها .....

***********

بهذه الكلمات الوضاء العذاب ... تحدث سلمان الفارسي عن مغامرته الزكية النبيلة العظيمة فى سبيل بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بالله وترسم له دوره فى الحياة ..
فأي إنسان شامخ كان هذا الإنسان أي تفوق عظيم أحرزته روحه الطلعة وفرضته إرادته الغلابة على المصاعب فقهرتها وعلى المستحيل فجعلته ذلولا .. ؟؟
أي تبتل للحقيقة وأي ولاء لها هذا الذي اخرج صاحبه طائعا مختاراً من ضياع أبيه وثراءه ونعماءه إلى المجهول بكل أعباءه ومشاقة وينتقل من أرض إلى أرض .. ومن بلد إلى بلد .. ناصباً كادحاً عابداً تفحص بصيرته الناقدة الناس والمذاهب والحياة ... ويظل فى إصراره العظيم وراء الحق ، وتضحياته النبيلة من أجل الهدى حتى يباع رقيقاً ثم يثيبه الله ثوابه الأوفى فيجمعه بالحق ويلاقيه برسوله ثم يعطيه من طول العمر ما يشهد معه بكلتا عينيه رايات الله تخفق فى كل مكان من الأرض وعباده المسلمون يملئون أركانها وأنحائها هدى وعمراناً وعدلاً ... ؟!
ماذا نتوقع أن يكون إسلام هذا الرجل ، هذه همته وهذا صدقه !!؟؟؟
لقد كان إسلام الأبرار المتقين ... وقد كان فى زهده وفطنته وورعه أشبه الناس بعمر بن الخطاب .